قديم 2018-01-10, 02:32 PM
المشاركة : ( 1 )
Hanaenet Admin
الصورة الرمزية برادة
برادة
.:: عـضـو ::.
Post العقل والنقل
العقل والنَّقْل مصطلحان ما قُدِّم أحدهما على الآخر إلا بشرط اليقينية لا الهوى، فلا اعتبار بأمرٍ عقليٍّ ظنيٍّ مقابل النقلي اليقيني، والعكس صحيح، ويستحيل حدوثُ تساوي اليقينية بينهما في نفس الأمر؛ إذ ذلك يتطلَّب تعارضهما، والله أكرم من أن يكون شرعه يُناقض عقلًا جعله من الضرورات الخمس، وحثَّ على استخدامه والتفكُّر به، ويحضرني أن أستدلَّ بمقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية، يقول فيها: "ما خالف العقلَ الصريح فهو باطلٌ، وليس في الكتاب والسنَّة والإجماع باطلٌ، ولكن فيها ألفاظٌ قد لا يفهمُها بعضُ النَّاس، أو يفهمون منها معنًى باطلًا، فالآفةُ منهم، لا من الكتاب والسُّنَّة".

وإن حدث تعارُضٌ بينهما فتأكَّد أنك لم تستخدمْ عقلك في الموضع الذي خلقه اللهُ لأجله، فمصطلح العقل لم يُذكر صريحًا في القرآن باسمه (العقل)، ولكن ذُكرتْ تصريفاتُه وأفعالُه، فلِمَ استخدامه في غير ما خُلِق له؟!

فالله لم يخلقْ لنا عقلًا لنفكِّر كيف نُحقِّق أعلى مراحل اتِّباع الهوى، ولا لنجسِّد نعيم الجنة في حياة كلُّها كَبَدٌ وتعبٌ، ولا نستنبط مِن كل أمر ونهي حِكْمةً نُرضي بها شرَّ النفس والهوى؛ بل إن الإسلام شيَّد العقل ونزع شوائبه التي كانتْ قبل الوحي مِن التقليد والتعصُّب، والجزئيَّة والعَمَى، والجمود واستلاب الغرائز، والضلال وتحكُّم الهوى والجهل، وغيرها.

فانظرْ إلى ما حدث بعد إصلاح الإسلام لتلك العقول مِن النتائج في أفعالهم وأخلاقهم، ولو أن الصحابة رضي الله عنهم انشغلوا بهذه المسائل مِن تَرْك كل ما لم يفهموا حِكْمتَه وسببَ نزوله مثلنا لتآكلوا داخليًّا، ولما جيَّشُوا الجيوش وفتحوا الفتوحات، ونشروا دينَ الله في الآفاق، فقد هيَّأ الوحيُ عقولهم لتكون أرضًا رحبةً مُمهَّدةً لاستقبال الوحي وفهمه وفقَ مراد الله.

ثم إن الصحابة رغم أنهم أكثر مَنْ فهموا شرع الله وطبَّقوه، فإنهم لا اعتبارَ لأي قول منهم أو من بعدهم إن كان مخالفًا لنصٍّ مِن نصوص الوحي، وهذا بيِّنٌ لا إشكالَ فيه، وعليه يُنزَّل قولُ ابن عباس رضي الله عنهما: "يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر"!

قال ابن القيم رحمه الله: "وكل من له مسكة مِن عقلٍ يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ مِن تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل...، فلا إله إلا الله، كم نُفي بهذه الآراء من حقٍّ، وأُثْبِت بها مِن باطل، وأُميتَ بها مِن هدى، وأُحيي بها من ضلالة! وكم هُدم مِن معقل الإيمان، وعُمِّر بها من دين الشيطان!".

إن الله تعالى خلَق عقل العباد محصورًا، لا يُدرك أمورًا كثيرة، وجعل له وظائف، فخلق الله العقل لوظائف هو أهلٌ لها من اجتهاد العلماء بعقولهم في استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية، وتطلُّب مراد الله، واجتناب اتِّباع الهوى قدر المستطاع، وخصوصًا للقضايا المستجدة كالصلاة في الطائرة، وأمور الزينة التي استجدَّت، ولم تكن في زمن الوحي؛ كالتشقير، وعمارة الأرض والاستخلاف فيها، والاختراعات، وسائر المكتشفات التي تطوِّر حياة البشر؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61].

وقبل ذلك أيضًا التفكُّر في ملكوت السماوات والأرض، والنظر في آيات الله تعالى في السماء والأرض؛ ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، وأن يتفكَّر في خلق الله، وحسن صنعة الله تعالى ليزداد صاحبه إيمانًا؛ ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 21]، وأيضًا المعارف الفطرية والعلوم الضرورية التي يشترك فيها جميع العقلاء؛ كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، وأن الحادث لا بد له من مُحدِث، ونحو ذلك من العلوم الأولية الضرورية، لكن لم يذكر الله أن نعرض حكمه لنرى: هل سيوافق عقولنا أو لا؟ فمهما نضجنا فعقولنا قاصرة في فَهْم هدي الله وحكمته في شرعه.

ثم لننظر قليلًا: ما معنى الإسلام؟!
هو الاستسلام لله؛ لأوامره ونواهيه بعقل مُحكم، ونفسٍ راضية، ومن ذلك أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة؛ لماذا تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟!

هكذا جاء الشرع المطهَّر، هكذا استسلمنا له، وقلوبنا يملؤها إيمانٌ وتوكُّلٌ، ولكنك لو تبصَّرتَ بالعقل الصريح لوجدت أن النقل الصحيح يُوافق العقل الصريح، وأنه يشُقُّ عليها أن تقضي هذه الصلوات الطويلة في وقت حَيْضِها، لكنها تصوم أيام العادة المعدودة.

لو كان الدينُ بالرأي لكان مسْحُ باطن الخُفِّ أَوْلى مِن ظاهره؛ كما قال عليٌّ رضي الله عنه، ولكن فيه مشقَّة، وربما كان فيه تراب فيؤدِّي إلى المزيد من الاتِّساخ، ولو حكَّمتَ أنت عقلكَ وحكَّمتُ أنا عقلي، وكلٌّ منا حكَّم عقله؛ فلا محالة أن ثمة اختلافًا في النتائج، فحينها من أين نأخذ الدليل القطعيَّ الذي نسير عليه؟! أم كل منا يأخذ ما وصل إليه وما أقنع نفسه به؟ ونكون بذلك رجعنا ألف عام حين كان لكل شخص إلههُ الخاصُّ الذي يحتفظ به في داره ويُشاوره ويسامره.

ثمَّ تذكَّر أيُّها المسلم أن الله قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ [الأحزاب: 36]، وقال أيضًا: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

فالعقل لا يمكنه أن يخترق حُجُب الغيب، ولا يمكنه أن يعرف المستقبل؛ العقل قاصر، العقل محدود، حتى في الحاضر لا يدرك كل الحاضر، بل ربما يفكر الإنسان ويضرب أخماسًا لأسداس، ولا يتوصَّل للقرار الصحيح ويكتشف بعد طول التفكير واتخاذ القرار وتنفيذه أنه كان قرارًا خاطئًا! وربما يتَّخذ مجموعة في مجلس إدارة شركةٍ قرارًا جماعيًّا يكتشفون بعده أن قرارهم كان خاطئًا! هذا في مجال الدنيا، فكيف إذا تدخَّل العقل في ردِّ النصوص الصحيحة؟! كيف إذا تدخَّل في الغيب، والإيمانُ بالغيب واجب؟! وهو من أهم صفات المؤمن التي ذكرها الله في أول سورة البقرة: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 3].

عقلُك يتخيَّل أنهارًا بدون حواف؛ أنهارًا تجري على سطح الأرض دون أن يكون لها أخاديد وحواف، هكذا أنهار الجنة.

عقلك يتخيَّل أشجارًا من ذَهَبٍ، تُثمر وتنبت، هكذا أشجار الجنة.
العقل يتخيَّل قوارير من فضة وشفافة، فضة وشفافة! هكذا هي القوارير في الجنة.

فلنتعامل مع العقل على أنه جزء من الجسد، له أعمالُه التي خُلِق مِن أجلها، ومثله مثل بقية الأعضاء له وظيفة محددة في إطار محدد؛ فلن نرى بأيدينا، ولن نكتب بأعيُننا.
الـمـصـدر : معهد بسمة مصرية - مـن : القسم العام - كـاتـب الـمـوضـوع : برادة

مـن مـواضـيع برادة
مساحة إعلانية


العقل والنقل
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع