يبدو لي أنّ أمامنا الكثير من العمل الجاد و تغيير طريقة تفكيرنا عن كيفية عمل القطاع العام، بما في ذلك دور القطاع العام والاندماج الحتمي بينه وبين القطاع الخاص بنسب متفاوتة، حسب نوع القطاع الحكومي، حيث غيرت التكنولوجيا الرقمية المنظمات بطريقة لا رجوع فيها.

وتطورت بين رقمنة وتوليد البيانات و الأتمتة والذكاء الاصطناعي والسحابة الخاصة والسحابة العامة والتعلم الآلي والمزيد من تأثير التكنولوجيا على المؤسسات من كل حجم وقطاع وأهمية تخطي الحواجز الرئيسية التي تحول دون نجاح التحول الرقمي المدعوم من الأشخاص والثقافة والتنظيم، وليس التكنولوجيا فقط.

وبالتالي، نحن بحاجة إلى التحول من التركيز الضيق على القيادة الرقمية وتأثيرها على عدد المشاريع والإجراءات الرقمية في المؤسسة إلى رؤية أوسع بكثير لمهارات القيادة الجديدة والكفاءات المطلوبة في عالم متصل باستمرار وفهم السمات الأساسية لقيادة للتغيير الفعال في العصر الرقمي، وأن تدرك القيادات المؤسسة في القطاع العام أن امتلاك التقسيمات الإدارية والسياسات والإجراءات والتطبيقات والمهارات الرقمية لا تترجم تلقائياً إلى كوننا سوف ننجح في التقدم بثبات نحو القيادة الرقمية الفعالة، وأن نعي أن التحول الناجح يتعلق بتغيير القوانين والمهام والأشخاص والتنظيم والتفكير والسياسات والثقافة أكثر مما يتعلق بتقنيات ومجالات الرقمنة.

فالمطلوب جيل جديد من كبار التنفيذيين يمكنهم الجمع بين العيش في الحاضر والمستقبل والقدرة على تطوير وتنفيذ حلقات التحول الرقمي الدائري التي تتوافق تماماً مع نتائج المخرجات المستدامة المتفق عليها وزيادة الوعي بالمشهد الرقمي الخارجي، و بمخاطر التقنيات التخريبية والتغيرات المجتمعية المرتبطة بها والتي تعيد تشكيل المؤسسات العامة، عطفاً على ديناميكية المخاطر والتحديات والتهديدات والفرص التي تتغير بين ليلة وضحاها، والفجوة الموجودة بين مستوى النضج الرقمي الحالي لمؤسساتنا، وأين يجب أن تكون.

وهذا بجانب القدرة على تطوير رؤية رقمية واضحة على أن تكون مؤشرات الأداء مرحلية وتفاعلية و تحديد وترتيب أولويات جماعي بين جميع الشركاء بمشاركة القطاع الخاص والشركاء الخارجيين وتقريب وجهات النظر مع المنافسين الرئيسين كون الإجراءات والمبادرات الرقمية الرئيسية التي يتعين تنفيذها لتحقيق نتائج هي جزء من منظومة دولية متشابكة، والأهداف الوطنية هي في الحقيقة أهداف عابرة للحدود، وقد تشترك فيها أكثر من دولة حتى من قارات مختلفة، وهو عصر التكامل والتشاركية الرقمية التي تلغي الحدود الجغرافية، وهو ما يتطلب عقليات قيادية استثنائية في قطاعاتنا العامة.


ومن المجحف التركيز على قياس الأداء بإنجاز المشاريع والمبادرات بدلاً من معرفة مدى المرونة الفعلية وإعادة تسخير واستخدام موارد ذلك المشروع وحجم الاعتمادية المتبادلة للمشروع في الدولة وخارج الدولة والقدرة على الصمود والتعايش لتك المشاريع، وهل هي جزء من منظومة وطنية تتجنب الإفراط في إعداد التقارير والعروض التقديمية المبهرة، وذلك لصنع القرار المستنير: من خلال استخدام البيانات والمعلومات والتحليلات المتقدمة لتقديم رؤية قابلة للتنفيذ وقرارات قائمة على الأدلة، ولكن دون فقدان الإبداع والتفكير الريادي اللازمين لدفع التغيير، وأن يكون مقابل كل مدير تنفيذي تقليدي مدير تنفيذي ذكي يعيش في العالم الافتراضي.

فالقطاع العام يجب أن يكون مؤسسات غير هرمية أو منظمات مسطحة وشبكية في عالم متواز، يصيغ فيها القرار الأقدر والأذكى والأكثر شمولية في التفكير، والذي يرى ما لا يراه أقرانه وكجزء من قيادة العالم الرقمي وتنفيذ بعض مسؤوليات القيادة بواسطة التكنولوجيا القائمة على الذكاء الاصطناعي وإدخال الأدوات الرقمية ذات الأثر على الحدود التنظيمية، وأن يتساءل كل قيادي هل لديك الأدوار الصحيحة؟ هل لديك الأشخاص المناسبين؟ هل تقود التغيير التحويلي المطلوب أو تقضي معظم وقتك في الاستجابة لاحتياجات المنظمة قصيرة المدى؟ هل ترى ماذا يلوح في الأفق البعيد؟ وهل لديك مهارة صناعة المستقبل؟ وهل تحيط نفسك بمن يملكون تلك القدرات الخاصة؟

*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.